الصهيونية في جوهرها هي حركة لتخليص أوروبا من
الفائض البشري اليهودي (Jewish surplus ) عن طريق نقله من أوروبا وتوطينه في أية منطقة خارجها، وقد استقرالرأي على أن تكون فلسطين هي هذه المنطقة نظراً لأهميتها الإستراتيجية، وارتباطهافي الوجدان الغربي باليهود.
وحتى يتم تجنيد الجماهير اليهودية وتسهيل عمليةنقلهم، خدعهم الغرب بقوله إنهم سيذهبون إلى أرض بلا شعب، وإنه إن وُجد فيها شعبسيكون من السهل إبادته أو نقله أو استعباده كماحدث في التجارب الاستيطانيةالإحلالية الأخرى.
وبالفعل فُتحت أبواب فلسطين للهجرة الاستيطانية اليهوديةالتي كانت تحميها قوة الاحتلال البريطانية. وتم إعلان الدولة الصهيونية العام 1948،وتصور المستوطنون أنهم كسبوا المعركة ضد السكان الأصليين. ولكن بعد بضع سنوات قليلةمن الهدوء بدأت المقاومة الفلسطينية النبيلة بشكل فردي ثم ظهرت فصائل المقاومةالفلسطينية الواحدة تلو الأخرى، وراحت تطور من قدراتها تدريجياً إلى أن وصلت إلىإنتاج الصواريخ وتحسين أدائها.
ومن الطريف أنه نظراً لبساطة هذه الصواريخوبدائيتها، فإن الرادارات الإسرائيلية غير قادرة على رصدها، ولذا ظهرت نكتة فيإسرائيل تقول إنه لابد وأن تزود إسرائيل المقاومة الفلسطينية بصواريخ سكود حتى يمكنللرادارات الإسرائيلية أن ترصدها.
وتدريجياً بدأ الإسرائيليون يشعرون أنانتصاراتهم العسكرية لا معنى لها، وأنها لم تنجح في تحقيق السلام أو الأمن لهم (فيما سماه المؤرخ الإسرائيلي يعقوب تالمون “عقم الانتصار” مقتبساً عبارة هيجل) وأنهم خُدعوا عندما صُوِّر لهم أن عملية الاستيطان في فلسطين سهلة، وتدريجياً تنامىإحساس بالورطة التاريخية.
ولكن ماذا يمكن لهم أن يفعلوا؟ أحد الحلول هوتجاهل الورطة تماماً، وهذا ما تعبر عنه أحداث هذه القصيدة الفكاهية التي كتبهاالشاعر الإسرائيلي إفرايم سيدون إبان الانتفاضة الأولى (والتي رفض التلفزيونالإسرائيلي إذاعتها).
تدور أحداث القصيدة في غرفة صالون يجلس فيه أربعة أشخاص: الأب والأم والطفل، أما رابعهم فهو الجندي الصهيوني، وبالتالي فهي خلية استيطانيةسكانية مسلحة. وقد اندلع خارج المنزل حريق (رمز الانتفاضة وظهور الشعب الفلسطيني) وبدأ الدخان يدخل البيت عبر النافذة، إلا أن الأربعة يجلسون بهدوء ويشاهدون مسلسلاًتلفزيونياً ولا يكترثون بشيء. ثم ينشد الجميع:
هنا نحن جميعاً نجلس
فيبيتنا الصغير الهادئ
نجلس في ارتياح جذل
هذا أفضل لنا، حقاً إنه أفضل لنا
- الأم: جيد هو وضعنا العام
- الجندي: أو باختصار.. إيجابي…
- الأب: وإذا كانت هنا جمرة تهدد بالحريق
- الأم: طفلي سينهض لإطفاء الحريق
- الأب: وإذا اندلعت هنا وهناك حرائق صغيرة
- الأم: سيسرع ابني لإطفائها بالهراوة
- الأب: انهض يا بني اضربها قليلاً
ويخاطب الأب النار فيخبرها أنها مسكينة، وأنهالن تؤثِّر فيه من قريب أو بعيد، وأنه سيطفئها في النهاية. وحينما تأكل النيرانقدميه لا تضطرب الأم، فالأمر في تصورها ليس خطيراً، إذ لديه -كما تقول- “قدمصناعية” (لعلها مستوردة من الولايات المتحدة)، والوقت -كما يقول الأب- “يعمللصالحنا”. ولكن الطفل ينطق مرة أخرى بالحقيقة المرة:
- الطفل: بابا، بابا، لقدحرقنا الوقت [الزمن]
- الأب: اسكت
- الأم: إن من ينظر حولنا ويراقب، يرى كمأن الأب لا ينطق إلا بالصدق كعادته
- الأب والأم: لقد أثبتنا للنار بشكل واضحمن هو الرجل هنا ومن هو الحاكم
- الطفل: ولكن بابا… البيت…
- الأب: لاتشغلنا بالحقائق
وهذه القصيدة الفكاهية، شأنها شأن النكت، تخبئ رؤية متشائمةبشأن مستقبل المستوطنين الصهاينة الذين يستقرون في المكان وينكرون الزمان، فتحرقهمالحقيقة وهم جالسون يراقبون مسلسلاً تلفزيونياً في هدوء وسكينة، أو يستمعون إلىالدعاية الصهيونية التي تنسيهم واقعهم في رضا كامل!
ويتضح هذا الإحساسبالعبثية وفقدان الاتجاه عند الإسرائيليين في ظهور موضوع “الخوف من الإنجاب” فيالقصص الإسرائيلية. فمن المعروف أن الدولة الصهيونية تشجع النسل بشكل مهووس لا حباًفي الإخصاب والأطفال، وإنما وسيلة لتثبيت أركان الاستعمار الاستيطاني.
ولكنمن المعروف أيضاً أن معدل الإنجاب في إسرائيل من أقل المعدلات في العالم، حتى أنهمفكروا في أن يعلنوا للإنجاب عاماً يركز فيه الإسرائيليون لإنجاب أطفال أكثر. وكانرد الإسرائيليين، كما هو متوقع، سريعاً وحاسماً وملهاوياً، إذ قال أحد أعضاءالكنيست إن على رئيس الوزراء أن يعود إلى منزله فوراً للقيام بواجبه الوطني معزوجته.
وهو بالمناسبة واجب وطني بالفعل، فكما يقول أستاذ الجغرافياالإسرائيلي أرنون سوفير إن “السيادة على أرض إسرائيل لن تُحسَم بالبندقية أوالقنبلة اليدوية بل ستُحسَم من خلال ساحتين: غرفة النوم والجامعات، وسيتفوقالفلسطينيون علينا في هاتين الساحتين خلال فترة غير طويلة”.
ومن هناالإشارة إلى المرأة الفلسطينية النفوض، التي تنجب العديد من الأطفال، بأنها “قنبلةبيولوجية”. وتعود ظاهرة العزوف عن الإنجاب إلى عدة أسباب عامة (تركُّز الإسرائيليينفي المدن-علمنة المجتمع الإسرائيلي-التوجه نحو اللذة… إلخ). لكن لا يمكن إنكار أنعدم الإنجاب إنما هو انعكاس لوضع خاص داخل المجتمع الإسرائيلي وتعبير عن قلقالإسرائيليين من وضعهم الشاذ، باعتبارهم دولة مغروسة بالقوة في المنطقة، مهددةدائماً بما يسمونه المشكلة الديموغرافية، أي تزايد عدد العرب وتراجع عدد المستوطنيناليهود.
ويعبر الإحساس العميق بالورطة التاريخية التي وجد الإسرائيليونأنفسهم فيها بهذه النكتة التي أطلقها أحد المسؤولين الصهاينة إبان احتفالات الذكرىالأربعين لتأسيس إسرائيل، إذ قال إن المشروع الصهيوني كله يستند إلى سوء فهم وخطأ،إذ كان من المفروض أن يتم في كندا بدلاً من فلسطين.
ويرجع هذا إلى تعثُّرلسان موسى التوراتي، فحينما سأله الإله أي بلد تريد؟ كان من المفروض أن يقول “كندا” على التو ولكنه تلعثم وقال “كاكاكا- نانانا” فأعطاه الإله “أرض كنعان” (أي فلسطين) بدلاً من كندا، فهاج عليه بنو إسرائيل وماجوا وقالوا له “كان بوسعك أن تحصل علىكندا بدلاً من هذا المكان البائس الخرب، هذا الوباء الشرق أوسطي الذي تحيط بهالرمال والعرب”. والنكتة هنا تعبِّر عن إحساس عميق بالخوف من تزايد العرب وتصاعدالمقاومة وبالطريق المسدود الذي يؤدي إلى العدمية الكاملة.
وتتسم المجتمعاتالتي يُقال لها متقدمة بتصاعد معدلات الاستهلاك، خاصة وأن هذه المعدلات أصبحت واحدةمن أهم مؤشرات التقدم. والمجتمع الإسرائيلي يقال له “متقدم” ولذا نجد أن معدلاتالاستهلاك فيه عالية. ولكن المشكلة أنه أيضاً مجتمع استيطاني. والتوجه الاستهلاكييقوض من مقدرته القتالية، لأن هذا التوجه يصاحبه توجه شديد نحو اللذة وانصراف عنالمثل الأيديولوجية الاستيطانية التي تتطلب الانضباط والاستعداد العسكري والمقدرةعلى إرجاء الإشباع.
وقد كان المجتمع الصهيوني يتسم بهذه السمات. ولكن بعدحرب 1967 انفتحت بوابة الاستهلاكية، وهي تتزايد يوماً بعد يوم، وبدلاً من المستوطنالقديم الذي كان يحمل المحراث بيد، والمدفع الرشاش باليد الأخرى، ظهر ما يطلق عليه “روشالمزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ